ابن عجيبة
20
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ولمّا تحققت إنابته ، جعله اللّه خليفة ، كما قال : [ سورة ص ( 38 ) : الآيات 26 إلى 28 ] يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ ( 26 ) وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ( 27 ) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ( 28 ) يقول الحق جل جلاله : يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ أي : استخلفناك على الملك فيها ، والحكم فيما بين أهلها ، أو : جعلناك خليفة عمّن كان قبلك من الأنبياء القائمين بالحق ، وفيه دليل على أن حاله عليه السّلام بعد التوبة ، كما كان قبلها ، لم يتغير قط ، خلاف ما نقله الثعلبي من تغير حاله وصوته ، ومنع الطيور من إجابته ، فانظره . فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ ؛ بحكم اللّه تعالى ، إذ كنت خليفته ، أو : بالعدل ، وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى أي : هوى النفس في الحكومات ، وغيرها من أمور الدين والدنيا ، بل قف عندما حدّ لك . وفيه تنبيه على أن أقبح جنايات العبد متابعة هواه ، فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي : فيكون الهوى ، أو اتباعه ، سببا لضلالك عن دلائله اللاتي نصبها على الحق ، تكوينا وتشريعا . و « يضلك » : منصوب في جواب النّهى ، أو : مجزوم ، فتح ؛ لالتقاء الساكنين . إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ؛ عن طريقه الموصلة إليه . وأظهر « سبيل اللّه » في موضع الإضمار للإيذان بكمال شناعة الضلال عنه ، لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا ؛ بسبب نسيانهم يَوْمَ الْحِسابِ ؛ فإنّ تذكره وترداده على القلب يقتضى ملازمة الحق ومباعدة الهوى . وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما من المخلوقات على هذا النّظام البديع باطِلًا أي : خلقا باطلا ، عاريا عن الحكمة ، أو : مبطلين عابثين ، بل لحكم بالغة ، وأسرار باهرة ، حيث خلقنا من بينها نفوسا ، أودعناها العقل ؛ لتميز بين الحق والباطل ، والنّافع والضار ، ومكنّاها من التصرفات العلمية والعملية ، في استجلاب